محمد حسين الذهبي

299

التفسير والمفسرون

الكلام النفسي « 1 » . وهذه المسألة - أعنى قدم القرآن وحدوثه - قد ابتلى بها كثير من أهل العلم . . . ولقد أصاب أئمة السنة بامتناعهم من الإجابة إلى القول بخلق القرآن وحدوثه ، وحفظ اللّه بهم أمة نبيه عن الابتداع ، ولكنهم - رحمهم اللّه - جاوزوا ذلك إلى القول بقدمه ، ولم يقتصروا على ذلك حتى كفروا من قال بالحدوث ، بل جاوزوا ذلك إلى تكفير من قال : لفظي بالقرآن مخلوق ، بل جاوزوا ذلك إلى تكفير من وقف ، وليتهم لم يجاوزوا حد الوقف ، وإرجاع العلم إلى علام الغيوب ، فإنه لم يسمع من السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى وقت قيام المحنة وظهور القول في هذه المسألة : شئ من الكلام ، ولا تنقل عنهم كلمة في ذلك ، فكان الامتناع من الإجابة إلى ما دعوا إليه ، والتمسك بأذيال الوقف ، وإرجاع علم ذلك إلى عالمه . هو الطريقة المثلى ؛ وفيه السلامة والخلوص من تكفير طوائف من عباد اللّه ، والأمر للّه سبحانه « 2 » اه هذا هو أهم ما في تفسير الشوكاني من البحوث التي أعطى فيها لنفسه حرية واسعة . خولت له أن يسخر من عقول العامة ، وأن يهزأ من تعاليم المعتزلة ، وأن يندد ببعض مواقف أهل السنة . وأحسب أن الرّجل قد دخله شئ من الغرور العلمي ، فراح ، يوجه لومه لهؤلاء وهؤلاء ، وليته وقف منهم جميعا موقف الحاكم النزيه ، والناقد العف . . . وعلى الجملة ، فالكتاب له قيمته ومكانته ، وإن كان لا يعطينا الصورة الواضحة للتفسير عند الإمامية الزيدية ونرجو أن نوفق إلى العثور على بعض ما لهم في التفسير ، وأحسب أنه كثير . والكتاب مطبوع في خمس مجلدات ، ومتداول بين أهل العلم .

--> ( 1 ) ليس هذا هو محل النزاع ، لأن الكلام النفسي بمعنى أنه صفة أزلية قائمة بذات اللّه تعالى ليست بحرف ولا صوت ، منزهة عن التقديم والتأخير ولوازم الكلام اللفظي ، ومنزهة عن السكوت النفسي وعن الآفة الباطنة . . الكلام النفسي بهذا المعنى يقول به الأشعري وينفيه باقي الفرق - انظر محاضرات التوحيد للمرحوم الشيخ محمود أنى دقيقة ص 128 - مطبعة الإرشاد سنة 1936 م . ( 2 ) ج 3 ص 384 .